ابراهيم الأبياري

306

الموسوعة القرآنية

كلها دفاعا عن النفس وذيادا عن الحق ، فلقد لبث الرسول بالمسلمين منذ بدأت الدعوة ثلاث عشرة سنة داعيا إلى اللّه بالمعروف ، يعرض به كما يعرض بالمسلمين ، فلا يعنيه ولا يعنيهم هذا التعريض ، ويؤذى المسلمون بين يديه فيدعوهم إلى الصبر ولا يهيجهم إلى الشر ، وكان ذلك يظن عن ضعف حين كان المسلمون قلة فما بالك بهم بعد أن أصبحوا كثرة . وكم من أيام آب فيها الصحابة إلى الرسول وهم ما بين مشجوج ومضروب يستأذنونه في أن يردوا عن أنفسهم أو يثأروا من ضاربيهم فما كان جواب الرسول لهم إلا قوله : اصبروا فإني لم أومر بقتالهم . وكانت حكمة السماء في هذا الصبر أن يخرج الرسول بالأمة العربية من بعده على ود لم يعكره عداء أو عدوان ، وكانت حكمتها في الإرخاء فيه إلى أن بلغ ثلاثة عشر عاما أن تعذر إلى من لم يسلموا ، ولم يكونوا غير أهل وإخوان ، الإعذار كله فلا تذر في أيديهم سببا من أسباب اللوم ، ثم كانت حكمة السماء في هذا الصبر الطويل أن تخلق في المسلمين قوة الاحتمال والجلد والأناة والترفق ، إلى غير ذلك من صفات تعوز النفوس المقبلة على مهام جسمية ، وهل كانت رسالة الإسلام إلا رسالة جسمية ؟ حتى إذا ما أعذر المسلمون إلى إخوانهم وأبلغوا في الإعذار ، وصبروا وأمعنوا في الصبر ، لم يكن بد من أن تتولى حكمة السماء هؤلاء الصابرين بتدبر يحفظ عليهم صبرهم من أن ينفد ، ويحفظ عليهم وجودهم من أن يستذل ، وترعى لهم كيانهم من أن يهان ، وما جاءت الدعوة الجديدة إلا لتحمى لهؤلاء وجودهم وكيانهم ، لهذا أذن للرسول في أن يدفع عن نفسه ، وعن المسلمين .